اسد حيدر
338
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
أسباب مقتل أبي حنيفة : وبقي شيء يجب الالتفات إليه وهو قتل المنصور لأبي حنيفة بالسم . فهل كان ذلك لمناصرته لأهل البيت عليهم السلام ؟ أو كان لعدم قبوله القضاء فحسب ؟ اختلفت أقوال المؤرخين في ذلك ، فمنهم من أرجع الأسباب إلى عدم قبوله القضاء فقط ، عندما أشخصه المنصور من الكوفة إلى بغداد وعرض عليه القضاء ، ولكنه أبى فحبسه ومات في الحبس ، والروايات في هذه الحادثة مختلفة ، فبعضهم يرويها على هذا الوجه ، وآخرون يروون أن المنصور هدده بالضرب ، فقبل القضاء على كره « 1 » ثم مات بعد أيام ، وآخرون يروون أن المنصور إنما استقدمه من الكوفة لأنه اتهم بالتشيع لإبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن ، فإنه أعلن الانضمام لجانب دعوة محمد وإبراهيم ، وأفتى بوجوب الخروج مع إبراهيم . يحدثنا أبو الفرج الأصفهاني عن عبد اللّه بن إدريس قال : سمعت أبا حنيفة وهو قائم على درجته ، ورجلان يستفتيانه في الخروج مع إبراهيم ، وهو يقول : اخرجا . وانه كتب إلى إبراهيم يشير عليه أن يقصد الكوفة ويدخلها سرا ، فإن من هاهنا من شيعتكم يبيتون أبا جعفر فيقتلونه ، أو يأخذون برقبته ، فيأتونك به ، وكتب له كتابا آخر فظفر أبو جعفر بكتابه ، فسيره وبعث إليه ، فأشخصه وسقاه شربة فمات منها « 2 » . والتسليم لهذه الرواية غير ممكن لأن قتل إبراهيم كان في سنة 145 ه - ووفاة أبي حنيفة في سنة 150 ه - وليس في إمكان المنصور التريث في أمر أبي حنيفة مدة خمس سنوات عندما تحقق منه ذلك ؛ وكان لا يقف في ظلمه عند حد لتركيز دعائم ملكه ، ولا يتورع في سفك الدماء ، وإن له من القوة ما يخول له قتل أبي حنيفة بسرعة ، فإن بقاءه خطر على الدولة ولا يمكن للمنصور أن يغض عن ذلك ، وقد فتك بأبي مسلم مع قوته وكثرة جنده ، وفتك بزعماء أهل البيت ، مع علمه بحراجة الموقف ، كما فتك بكثير من الزعماء وذوي الوجاهة ، والنفوذ . اللهم إلا أن يكون عثور المنصور على رسالة أبي حنيفة لإبراهيم بعد مدة من قتله .
--> ( 1 ) مناقب المكي ج 2 ص 27 . ( 2 ) مقاتل الطالبيين ص 366 .